الترجمات الجديدة

بيجين + 5

تقارير

كتب للبيع عبر الموقع

بيجين + 5: بين مقرّرات دوليّة غير ملزمة، وواقع مازال مجحفاً

1. خلفية بيجين+5

شهدت التسعينات عدداً من المؤتمرات الدولية بدءاً بقمة الأرض التي عقدت في ريو دي جانيرو (عام 1992) مروراً بمؤتمر فيينا لحقوق الإنسان (عام 1993) ومؤتمر السكان والتنمية في القاهرة (عام 1994) وقمة كوبنهاغن حول التنمية المستدامة (عام 1995) وذلك قبل المؤتمر العالمي الرابع للمرأة الذي عقد في بيجين عام 1995 والذي تلاه مؤتمر المستوطنات البشرية في اسطنبول (عام 1996). وكانت التسعينات بذلك، عقد المؤتمرات العالمية بامتياز.
والملفت في كافة المؤتمرات المذكورة تبوّؤ النساء مكانة مرموقة في كافة القضايا التي تمَ التطرّق إليها، حيث بات الاعتراف بأهمية دور النساء أمراً لا مفر منه لدى معالجة قضايا كل من التنمية المستدامة وحماية البيئة وحقوق النساء كجزء لا يتجزأ من حقوق الإنسان.
لكن يبقى السؤال الأهم، هل المقرَرات الناجمة عن تلك المؤتمرات، لا سيما منهاج عمل بيجين ثمرة المؤتمر الرابع حول النساء، هي مجرَد حبر على ورق أم تراها قرارات ملزمة تحث الحكومات على مراجعة القيود والقوانين من أجل تحقيق مساواة حقيقية بين كل من الرجال والنساء.

صحيح أن المؤتمرات العالمية السابقة حول النساء (مكسيكو 1975 وكوبنهاغن 1980 ونيروبي 1985) شكَلت كل منها إنطلاقة بحد ذاتها لقضية المساواة بين النساء والرجال، إلا ان مؤتمر بيجين ومن خلال منهاج العمل أرسى قواعد عملية لتمكين النساء، من خلال سعيه إلى تسريع تطبيق مقررات نيروبي وإزالة كل العوائق التي تحول دون المشاركة الفعلية للمرأة في كل مجالات العمل العامة والخاصة من أجل تحقيق مساواة على مستوى اتخاذ القرار الاقتصادي والإجتماعي والثقافي والسياسي .
لذلك تبدو المتابعة الميدانية لمدى إلتزام الحكومات هي الأهم. من هنا، إرتأت الجمعية العمومية للأمم المتحدة، وفي خطوة متابعة ميدانية وعملية في آن، ضرورة عقد جلسة خاصة تحمل عنوان "النساء عام 2000: الجندر ، المساواة، والتنمية والسلام للقرن الحادي والعشرين" في الفترة ما بين 5 و 9 حزيران، بمقر الأمم المتحدة في نيويورك في الولايات المتحدة؛ وتعرف تلك الجلسة بإسم بيجين+5.
يصادف العام 2000 الذكرى الخامسة للمؤتمر العالمي الرابع للمرأة الذي عقدته الأمم المتحدة في بيجين (4-15 أيلول 1995)، وكان أكبر مؤتمر عقدته منظمة الأمم المتحدة حيث شاركت فيه 189 حكومة و 2700 منظمة غير حكومية، كما فاق عدد النساء والرجال المشاركين في المؤتمر الموازي للمنظمات غير الحكومية، الثلاثين ألفاً. وقد صادقت 189 دولة على منهاج عمل بيجين والذي يدعو الحكومات للتدخّل في 12 محور اهتمام يؤثر على وضع النساء ( الفقر، والتعليم والتدريب المهني، والرعاية الصحية، والعنف، والنزاع المسلَح، والاقتصاد، وصنع القرار، والآليات المؤسساتية، وحقوق الإنسان، والإعلام، والبيئة، وحقوق البنت الطفلة) .
لذا، سوف تعنى جلسة "النساء عام 2000"، بمراجعة وتقييم تقدم سير العمل في تطبيق مقرّرات نيروبي- الإستراتيجيات التطلعية لتقدم النساء، ومنهاج عمل بيجين- بعد خمس سنوات من إقراره. كما ستركز هذه الجلسة أيضاً على دراسة النشاطات والمبادرات المتعلّقة بتسريع تنفيذ بنود منهاج عمل بيجين للقرن القادم.

2. مجموعات عمل من خلال موقع الإنترنت

هذا وقد نظّم موقع "مرصد النساء" التابع للأمم المتحدة UN Women Watch، منبراً عالمياً مفتوحاً للجميع تحضيراً لجلسة بيجين +5. وهذا المنبر هو عبارة عن عدد من المجموعات العاملة على الإنترنت هدفها المساهمة في عملية التقييم والمراجعة التي تجريها الأمم المتحدة. والمساهمة مفتوحة أمام ممثلي وممثلات الحكومات والناشطين والناشطات والخبراء والخبيرات وممثلي وممثلات القطاع الخاص ، وكل أولئك الراغبين والراغبات في تحقيق المساواة بين الجنسين.
وتناقش تلك المجموعات مواضيع مختلفة، تتناول السياسات والتشريعات والاستراتيجيات والشراكات التي نجحت في دفع تلك المساواة قدماً.
كما سيتم تناول دراسات حالة وأفضل الممارسات وأمثلة ناجحة أخرى قدّمتها إما حكومات أو جهود مدنية أو قطاع خاص . إضافة إلى ذلك، لا بد من الإشارة إلى العوائق التي ما زالت تحول دون المساواة وكيفية تجاوزها.
أما المحاور التي ينطلق منها عمل المجموعات السابقة فهي التالية:
- إنهاء العنف ضد النساء في كافة أنحاء العالم من خلال استراتيجيات عالمية ناجحة
- إنهاء الظلم الاقتصادي التي تتعرّض له النساء وذلك عبر توفير الفرص ومعالجة المعوقات التي تواجهها، بالإضافة إلى صياغة السياسة الاقتصادية
- دعم دور النساء في حماية البيئة لاسيما في صياغة السياسات البيئية
- تعزيز دور النساء في السلطة وموقع صنع القرار
- الرعاية الصحية للمرأة (بما تشمله من صحة إنجابية وحقوق إنجابية)
- القضاء على فقر النساء من خلال استراتيجيات تعالج احتياجات النساء الفقيرة
- وتعزيز دور النساء في المساهمة في حل النزاعات المسلحة من خلال معالجة وضع النساء أثناء النزاعات ودورها القيادي في حل تلك النزاعات
- تحقيق المساواة في التعليم وتحقيق كافة المستويات دون أي تمييز بين الجنسين
- النساء والإعلام (تجاوز الصورة التقليدية للمرأة في وسائل الإعلام وتأكيد تأثير النساء على المضمون والتنمية)
- تمكين الفتاة الطفلة (وخلق بيئة مساعدة لها)
- حقوق النساء الإنسانية (من سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية وأثر المعاهدات الدولية على النساء).

3. في الوقائع

إلا أنه وعلى الرغم من تلك المقرّرات والمؤتمرات الدولية، يبقى الواقع اليومي المعاش بعيداً عن روح المعاهدات والتوصيات الصادرة عنها. فقد رصدت منظمة العفو الدولية في بيان أصدرته في 17 كانون الأول 1999 (بمناسبة الذكرى العشرين لاتفاقية النساء التي تدعو إلى القضاء على كافة أشكال التمييز ضد النساء) خبراً مفاده أن أحد الرجال في باكستان أطلق النار على شقيقته غزالة وذلك دفاعاً عن الشرف، وقد بقي جسدها العاري والمحروق ممدّداً على الطريق دونما أية عناية إذ أن أحداً لم يجسر على الإقتراب منه. صحيح أن باكستان وقّعت إتفاقية القضاء على كافة أشكال التمييز ضد النساء ، إلا أن الحكومة هناك، ما زالت عاجزة عن القيام بإجراءات جدية لحماية حقوق النساء. وطبعاً هذا المثل ليس فريداً من نوعه ولا غريباً عنّا، إذ ان النساء في كافة أنحاء العالم ما زلن يعانين من إنتهاكات لحقوقهن لا لسبب إلا لكونهنّ نساء. وعلى الرغم من التعهد من قبل الحكومات أثناء المؤتمر الرابع للمرأة عام 1995، بتحقيق توقيع شامل على معاهدة النساء وذلك في العام 2000، ما زال هناك عدد من البلدان التي لم تقر بعد إتفاقية النساء، منها الولايات المتحدة الأميركية، التي لم توقعها إلا عام 1980 دونما إقرارها بسبب معارضة الجناح اليميني داخل الكونغرس الأميركي.
ولا بد من الإشارة إلى أن عدداً من بلدان الشرق الأوسط تجاهل الاتفاقية تماماً دونما توقيعها أو إقرارها. وتشمل تلك البلدان السعودية وإيران وعمان وقطر والسودان وسوريا والإمارات العربية المتحدة . وحدها، 11 دولة من بين الدول الـ 22 الأعضاء في جامعة الدول العربية وقّعت تلك الاتفاقية ألا وهي: الجزائر والأردن وجزرالقمر والعراق والكويت والمغرب وتونس ولبنان وليبيا ومصر واليمن.
ولا بد من الإشارة إلى أن فعالية تلك الاتفاقية في حال تم توقيعها، غالباً ما تخبو بسبب العدد المرتفع للتحفّظات التي تضعها الحكومات التي وقَعت على الاتفاقية. وغالباً ما تعجز الدول عن الوفاء بالتزاماتها المتعلقة بحقوق النساء ولا يتم تنفيذ الاتفاقية على الصعيد الوطني، مما يجعل النساء عاجزات أمام الانتهاكات التي تتعرض لها حقوقهن وفقاً للاتفاقية.
فمن بين الدول الـ 161 التي وقّعت تلك الإتفاقية، أعلنت حوالي 44 دولة بأنها لن تنفّذ بعض البنود الواردة في الاتفاقية وذلك لأسباب إما سياسية أو دستورية أو ثقافية أو دينية؛ ومن بين تلك الدول الـ44: الجزائر ومصر والأرجنتين وأوستراليا وبلجيكا والبرازيل والصين وكندا وفرنسا وألمانيا والهند وإيطاليا وماليزيا ونيوزيلندا وهولندا وكوريا الجنوبية وسنغافورة والمملكة المتحدة وفنزويلا.
وتقول سلمى خان، رئيسة لجنة القضاء على كافة أشكال التمييز ضد النساء ، أن معظم البلدان الإسلامية، بما فيها مصر أعلنت أنها مستعدَة لتنفيذ البند الثاني من الإتفاقية (وهو بند يفرض تعهّداً تعاقدياً مع الأمم المتحدة لإتخاذ كافة الإجراءات المناسبة لتحقيق مساواة النساء) شرط ألا يتعارض ذلك مع قوانين الشريعة الإسلامية. بدورها أعلنت الجزائر أنها مستعدة لتنفيذ ذلك البند شريطة ألا يتضارب مع شرعة العائلة الجزائرية .
إلا انه تم تحقيق خطوة هامة لرأب ذلك الصدع وذلك في 10 كانون الأول/ديسمبر 1999، عندما وقّعت 23 دولة البروتوكول الاختياري لاتفاقية النساء . وهو بروتوكول تبنّته حديثاً الجمعية العمومية للأمم المتحدة ويتيح للنساء حق الإدَعاء ضد انتهاكات اتفاقية النساء أمام هيئة دولية، وذلك في حال لم تف الحكومات بالتزاماتها بالاتفاقية. ويشكّل هذا البروتوكول، أداة فعّالة تتيح للنساء التعبير مباشرة وللمرة الأولى، عن معاناتهن وهمومهن أمام هيئة دولية.
وبموازاة ذلك، هناك عدة تقارير يجري تحضيرها للجلسة الخاصة للجمعية العمومية للأمم المتحدة . حيث تتضمّن هذه التقارير تقييماً عملياً لمدى تنفيذ منهاج عمل بيجين إضافة إلى تقييم أفضل التجارب والعوائق التي واجهت الدول الأعضاء. ولا بد من الإشارة إلى ان شعبة النهوض بالنساء التابعة للأمم المتحدة(داو-DAW) عملت على توزيع استبيان صمّم خصيصاً لتسهيل إعداد التقارير الوطنية المطلوبة من الحكومات عن مدى تنفيذ برنامج عمل بيجين.

4. أين العالم العربي من بيجين+5؟

هناك نزعة شائعة لتصوير إمكانية تحقيق المساواة في العالم الإسلامي وكأنه حلم بعيد المنال وكأن ظروفه فريدة من نوعها، في حين ان مقاومة كل من الولايات المتحدة والفاتيكان لاتفاقية إلغاء كافة أشكال التمييز ضد النساء لم تكن أقل حدَة . إذ أن الولايات المتحدة تستشهد بالدستور في حين أن الفاتيكان يبرر موقفه بقانون الطبيعة وتقاليد الكنيسة تماماً كما تلجأ البلدان الإسلامية إلى الشريعة الإسلامية. ففي الحالات الثلاث يكمن حافز تبرير الموقف المتحفظ من مساواة النساء، اللجوء إلى قوانين الطبيعة التي جعلت من النساء متميزات عن الرجال من الناحية البيولوجية.

الصفحة التالية